محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
187
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
بعضهم : إنّما وحّد على اللفظ وجمع « بنورهم » على المعنى ، كقوله : وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ ثمّ قال : أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ * على المعنى ؛ وقال ابن قتيبة : قد يأتي « الذي » مؤدّيا عن الجمع . يقال في الواحد الّذ ، وفي التثنية اللّذا ، والذي للجمع . قال ابن الأنباري : « الذي » في هذه الآية واحد في اللفظ ، والمراد منه الجمع ولا واحد له ؛ وجاز أن يوضع الذي موضع الذين ، لأنّه مبهم يحتمل الوجوه في مثل قولهم : أوصي بمالي للذي غزا وحجّ ، معناه للغازين والحجيج ؛ وهو مثل « من » و « ما » ؛ ووحّد الفعل في قوله : « استوقد » لأنّ « الذي » وإن أريد به الجمع فهو موضوع للواحد ؛ واتّفقوا على أنّ المراد به الجمع ، وعلى هذا الكناية في قوله : « بنورهم » راجعة إلى المستوقدين ، وهو جواب « فلمّا » في الظاهر والمعنى جميعا وقال صاحب النظم : العلّة في توحيد « الذي » وجمع الكناية في قوله : « بنورهم » أنّ المستوقد كان واحدا من جماعة تولّى الاستيقاد لهم ، وكانت الكناية في الاستيقاد عنه خصوصا ، دون أصحابه ، لتولّيه ذلك دونهم ؛ ولمّا ذهب الضوء رجع ذهابه عليهم جميعا ؛ فرجع الخبر إلى جماعتهم لما عموا عنه . قال الواحدي : ولأبي إسحاق طريقة هي أحسن ممّا ذكرناه ، وذلك أنّ هذا المثل ضربه اللّه تعالى للمنافقين في تجمّلهم بظاهر الإسلام ، وانتفاعهم به . فحقنوا به دماءهم وحرمهم ، وحفظوا به أموالهم ، وشاركوا المسلمين في أعيادهم ومناسكهم ، وكان زينا لهم وبهاء في الدنيا كالضياء في ظلمة الليل . فعلى قول أبي إسحاق التمثيل وقع بين تجمّلهم بالإسلام وبين النار التي يستضاء بها ؛ والتمثيل إذا وقع بين الحالين : حال المنافقين وحال المستوقدين ؛ وعلى قول الفرّاء : التمثيل وقع بين الفعلين . شبّه كلمة الإيمان بالاستضاءة بالنار ، وفرّق بين تمثيل الحال بالحال وبين تمثيل الفعل بالفعل . قال الزجّاج : ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ يعني أطلع اللّه المؤمنين على كفرهم . قال : ويجوز أن يكون ذهب اللّه بنورهم في الآخرة ، أي عذّبهم ؛ فلا نور لهم في الحقيقة ؛ لأنّ اللّه تعالى جعل للمؤمنين نورا يسعى بين أيديهم وبأيمانهم ، وسلب الكافرين ذلك النور ، وقيل : إنّما قال بنورهم والمذكور ( 79 آ ) في أوّل الآية النار ؛ لأنّ النار تشتمل على النور والحرارة ؛ فذهب بنورهم وبقيت الحرارة عليهم ؛ وقوله : ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ أي أذهب ؛ فهي باء التعدية .